فصل: حكم السفتجة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


كتاب الحوالة

كتاب الحوالة ذكرها بعد الكفالة لأن كلا منهما عقد التزام ما على الأصيل للتوثق إلا أن الحوالة تتضمن براءة الأصيل براءة مقيدة بخلاف الكفالة فكانت كالمركب مع المفرد ‏,‏ والمفرد مقدم ‏,‏ وهي في اللغة النقل والتحويل ‏,‏ وحروفها كيف ما تركبت دارت على معنى النقل والزوال ‏.‏ وقيل ‏:‏ هي اسم بمعنى الإحالة ‏,‏ يقال ‏:‏ أحلت زيدا بماله على فلان ‏,‏ ولذا قيل للمديون محيل ومحتال ‏,‏ وللدائن محال ومحتال ‏,‏ ولمن يقبل الحوالة محال عليه ومحتال عليه ‏,‏ وللدين محال به ومحتال به ‏,‏ لكن ترك عند الاستعمال محتال في محيل فرارا عن التباسه المفعول من بابه ‏,‏ وقد فرق البعض بإلحاق له إلى المفعول ‏,‏ وقال محتال له ‏,‏ قيل ‏:‏ هو لغو لعدم الحاجة إلى الصلة ‏.‏ وفي اصطلاح الفقهاء ‏(‏ هي ‏)‏ أي الحوالة ‏(‏ نقل الدين من ذمة إلى ذمة ‏)‏ أي من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه ‏,‏ واختلف المشايخ في أنها هل توجب البراءة عن الدين والمطالبة جميعا أو عن المطالبة دون الدين ‏,‏ والصحيح من المذهب أنها توجب البراءة من الدين كما في المنح ‏.‏

ما تصح فيه الحوالة

‏(‏ وتصح ‏)‏ الحوالة ‏(‏ في الدين لا في العين ‏)‏ أما الصحة فبالإجماع وبما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ‏"‏مطل الغني ظلم ‏,‏ وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع‏"‏ أي إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل ‏,‏ والأمر بالاتباع دليل الجواز ‏,‏ وأما اختصاصها بالدين فلأن الحوالة نقل حكمي والدين وصف حكمي يثبت في الذمة فجاز للدين أن يقبل ذلك النقل أما العين كالثوب فحسي فلا يقبل النقل الحكمي بل يحتاج إلى النقل الحسي فلا بد من أن يكون للمحتال دين على المحيل ولذا قال في القنية ‏:‏ أحال عليه مائة من الحنطة ولم يكن للمحيل على المحتال عليه شيء ولا للمحتال على المحيل فقبل المحتال عليه ذلك لا شيء عليه ‏(‏ برضى ‏)‏ متعلق بتصح ‏(‏ المحتال ‏)‏ لأن الدين حقه والذمم متفاوتة ‏,‏ ولا بد من رضاه لاختلاف الناس في الإيفاء وهذا بالإجماع ‏(‏ والمحتال عليه ‏)‏ لأن الدين يلزمه فلا بد من التزامه والأصح من مذهب الشافعي أن لا حاجة إلى رضاه إذا كان المحال به دين المحيل ‏,‏ وهو قول مالك وأحمد لأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره ‏.‏ قيد برضاهما لأنها لا تصح مع إكراه أحدهما وأراد من الرضى القبول في مجلس الإيجاب لكن في البزازية لو أحال إلى غائب فقبل بعدما علم صحت ولا تصح في غيبة المحتال إلا أن يقبل رجل له الحوالة ‏(‏ وقيل ‏:‏ لا بد من رضى المحيل أيضا ‏)‏ كما لا بد من رضى المحتال والمحتال عليه ‏.‏ وفي البحر ‏:‏ رضى المحيل ليس بشرط على ما ذكره محمد في الزيادات وشرط القدوري ‏,‏ وإنما شرطه للرجوع عليه فلا اختلاف في الروايات ‏.‏ وفي العناية وذكر في الزيادات أن الحوالة تصح بدون رضاه لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه ‏,‏ والمحيل لا يتضرر به بل فيه نفعه لأن المحتال عليه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره ‏,‏ قيل ‏:‏ وعلى هذا تكون فائدة اشتراطه الرجوع عليه إذا كانت بأمره ‏,‏ وقيل ‏:‏ لعل موضوع ما ذكر في القدوري أن يكون للمحيل على المحتال عليه دين بقدر ما يقبل الحوالة فإنها حينئذ تكون إسقاطا لمطالبة المحيل عن المحتال عليه فلا تصح إلا برضاه ‏,‏ والظاهر أن الحوالة قد تكون ابتداؤها من المحيل ‏,‏ وقد تكون من المحتال عليه ‏,‏ والأول إحالة وهي فعل اختياري لا يتصور بدون الإرادة والرضى وهو وجه رواية القدوري ‏.‏ والثاني احتيال يتم بدون إرادة المحيل بإرادة المحتال عليه ورضاه وهو وجه رواية الزيادات وعلى هذا اشتراطه مطلقا كما ذهب إليه الأئمة الثلاثة بناء على إيفاء الحق حقه فله إيفاؤه من حيث شاء من غير قسر عليه بتعيين بعض الجهالة ‏,‏ أو عدم اشتراطه مطلقا كما ذهب إليه بعض الشارحين بناء على رواية الزيادات ليس على ما ينبغي انتهى ‏.‏

حكم السفتجة

‏(‏ وتكره السفتجة ‏)‏ بضم السين والتاء عند سيبويه وبفتح التاء عند الأخفش تعريب سفته ومعناها المحكم ‏(‏ وهي الإقراض ‏)‏ أي أن يقرض إلى تاجر مثلا قرضا ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ‏(‏ لسقوط خطر الطريق ‏)‏ ‏,‏ وإنما كرهت لورود النهي عن قرض جر نفعا ‏,‏ وإنما ذكرت المسألة في هذا الباب لأن هذا الإقراض في معنى حوالة الصديق على المستقرض أو لأنه حوالة الطريق إليه أو لأن المقرض يحيله بالأداء إلى الصديق ‏.‏

كتاب القضاء

كتاب القضاء لما كان أكثر المنازعات يقع في البياعات والديون عقبها بما يقطعها وهو قضاء القاضي ‏,‏ أضاف الكتاب إلى القضاء دون الأدب نظرا إلى أن بيان القضاء مقصود ‏,‏ وبيان الأدب متبوع ‏,‏ والقضاء في اللغة له معان يكون بمعنى الإتقان والإحكام ‏,‏ ففي المصباح أنه مصدر قضيت بين الخصمين وعليهما حكمت ‏,‏ والجمع الأقضية ‏,‏ وقضى أي حكم ومنه قوله تعالى ‏{‏ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ‏}‏ وبمعنى الإبلاغ وبمعنى الأداء والإنهاء ومنه قوله تعالى ‏{‏ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ‏}‏ ‏{‏ وقضينا إليه ذلك الأمر ‏}‏ أي أنهيناه إليه وأبلغناه ذلك وبمعنى الصنع والتقدير ومنه قوله تعالى ‏{‏ فقضاهن سبع سماوات في يومين ‏}‏ ومنه القضاء والقدر ‏,‏ ويقال ‏:‏ استقضى فلانا أي صيره قاضيا ‏.‏ وفي الشرح هو قطع الخصومة أو قول ملزم صدر عن ولاية عامة وفيه معاني اللغة جميعا ‏,‏ فكأنه ألزمه بالحكم وأخبره به وفرغ عن الحكم بينهما وقدر ما عليه وما له وأقام قضاه مقام صلحهما وتراضيهما لأن كل واحد منهما قاطع للخصومة وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع ‏,‏ ومحاسنه لا تخفى على أحد ولولا ذلك لفسد العباد وخرب البلاد وانتشر الظلم والفساد ‏,‏ والحاكم نائب الله - تعالى - في أرضه في إنصاف المظلوم من الظالم ‏,‏ وإيصال الحق إلى المستحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبه أمر كل نبي قال الله تعالى ‏{‏ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ‏}‏ وقال الله تعالى ‏{‏ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ‏}‏ ولأجله بعث الرسل والأنبياء وكان عليه الخلفاء والعلماء ولهذا قال ‏(‏ القضاء بالحق من أقوى الفرائض وأفضل العبادات ‏)‏ بعد الإيمان بالله - تعالى - ‏,‏ ثم هو على خمسة أوجه ‏:‏ واجب وهو أن يتعين له ولا يوجد من يصلح له غيره لأنه إذا لم يفعل أدى إلى تضييع الحكم ‏,‏ فيكون قبوله أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ‏,‏ وإنصاف المظلوم من الظالم ‏.‏ ومستحب وهو أن يوجد من يصلح له غيره لكن هو أصلح وأقوم به ‏.‏ ومخير فيه وهو أن يستوي هو وغيره في الصلاحية والقيام به ‏.‏ ومكروه وهو أن يكون صالحا للقضاء لكن غيره أصلح وأقوم به ‏.‏ وحرام وهو أن يعلم من نفسه العجز عنه وعدم الإنصاف فيه في باطنه من اتباع الهوى بما لا يعرفه ‏.‏ ثم اعلم أن رزقه وكفايته وكفاية أهله وأعوانه ومن يمونهم يكون من بيت المال لأنه محبوس لحق العامة فلولا الكفاية ربما يطمع في أموال الناس ‏,‏ وإن عمر رضي الله تعالى عنه أعطى شريحا كل شهر مائة درهم وأعطاه علي رضي الله تعالى عنه كل شهر خمسمائة درهم ‏.‏

فصل في الحبس

فصل لما كان الحبس من أحكام القضاء وتعلق به أحكام أفرده في فصل على حدة وهو مشروع بالكتاب والسنة ‏,‏ وإجماع الأمة ‏(‏ وإذا ثبت الحق للمدعي وطلب ‏)‏ المدعي ‏(‏ حبس خصمه فإن ثبت بالإقرار لا يحبسه ‏)‏ أي لم يعجل بحبسه إذا لم يعرف كونه مماطلا في أول الوهلة فلعله طمع في الإمهال فلم يستصحب المال ‏(‏ إلا إذا أمره بالأداء فأبى ‏)‏ فحينئذ يحبسه لظهور المماطلة ‏.‏ ‏(‏ وإن ثبت ‏)‏ أي الحق الذي ادعاه ولو دانقا ‏(‏ بالبينة حبسه قبل الأمر بالدفع ‏)‏ إن طلب الخصم حبسه لظهور المطل بالإنكار ‏.‏ وقال شريح ‏:‏ يحبسه من غير طلبه ‏(‏ وقيل لا ‏)‏ يحبس قبل الأمر بالدفع لأنه إذا ثبت بالبينة ربما تعلل به ‏,‏ ويقول ‏:‏ ما علمت إلا الساعة بخلاف الإقرار لكن الأول مختار صاحب الهداية وهو المذهب ‏,‏ وصفة الحبس أن يكون في موضع ليس به فراش ولا طاق ولا يمكن أحدا أن يدخل عليه للاستئناس إلا أقاربه وجيرانه ولا يمكثون عنده طويلا ولا يخرج لجمعة وعيد ولا لجماعة ولا لحج فرض ولا لحضور جنازة ولو بكفيل كما في التبيين لكن في الخلاصة يخرج بالكفيل لجنازة الأصول والفروع ‏,‏ وفي غيرهم لا يخرج وعليه الفتوى ولا يخرج لموت قريبه إلا إذا لم يوجد من يغسله ويكفنه فيخرج حينئذ لقرابة الولاد ‏.‏ وفي رواية يخرج وإن وجد من يجهزه ‏,‏ ولا يضرب المحبوس لأجل الدين إلا إذا امتنع من الإنفاق على قريبه فيضرب ‏,‏ ولا يغل إلا إذا خيف أنه يفر فيقيده ‏,‏ ولا يجرد ولا يقام بين يدي صاحب الحق إهانة ‏,‏ وتعيين مكان الحبس للقاضي إلا إذا طلب المدعي مكانا آخر ‏(‏ فإن ادعى الفقر حبسه في كل ما لزمه بدل مال ‏)‏ ولا يلتفت إلى قوله ‏(‏ كالثمن ‏)‏ أطلقه فشمل الأجرة الواجبة لأنها ثمن المنافع ‏,‏ وشمل ما على المشتري وما على البائع بعد فسخ البيع بينهما بإقالة أو خيار ‏,‏ وشمل رأس مال السلم بعد الإقالة وما إذا قبض المشتري المبيع أو لا كما في البحر ‏(‏ والقرض ‏)‏ لثبوت غنائه بحصول المال في الصورتين ‏(‏ أو ‏)‏ لزمه ‏(‏ بالتزامه كالمهر المعجل ‏)‏ قيد بالمعجل لأنه لا يحبس في المؤجل ويصدق في الإعسار وعليه الفتوى ‏,‏ وفي الأصل لا يصدق في الصداق بلا فصل بين مؤجله ومعجله كما في البزازية ‏(‏ والكفالة ‏)‏ إذ الإقدام على الالتزام دليل اليسار في الصورتين ‏,‏ ويتمكن المكفول له من حبس الكفيل والأصيل وكفيل الكفيل وإن كثر ‏.‏ وفي الخانية ‏:‏ رجح الاقتصار على الأول فقال ‏:‏ وقال بعضهم ‏:‏ إن كان الدين واجبا بدلا عما هو مال كالقرض وثمن البيع فالقول قول مدعي اليسار ‏,‏ مروي ذلك عن الإمام وعليه الفتوى وهو خلاف ما اختاره المصنف تبعا للهداية ‏,‏ وذكر في أنفع الوسائل أنه المذهب المفتى به فقد اختلف الإفتاء فيما التزمه بعقد ولم يكن بدل مال ‏,‏ والعمل على ما في المتون لأنه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى فالمعتمد ما في المتون وكذا يقدم ما في الشروح على ما في الفتاوى ‏,‏ وقيل القول للمديون في الكل ‏,‏ وقيل للدائن في الكل ‏,‏ وقيل يحكم بالزي إلا في الفقهاء والعلوية كما في البحر ‏(‏ لا فيما عدا ذلك ‏)‏ أي لا يحبس المديون فيما سوى تلك المذكورات كبدل الغصب ‏,‏ وضمان المتلفات ‏,‏ وأرش الجنايات ‏,‏ والسرقة ‏,‏ والنفقة ‏,‏ وإعتاق الإماء المشتركات ‏,‏ وبدل الكتابات إن ادعى المديون الفقر لأن الأصل في الآدمي العسرة ‏,‏ والمدعي يدعي أمرا عارضا وهو الغناء فلم يقبل منه ‏(‏ إلا إذا برهن خصمه أن له مالا ويحبسه ‏)‏ أي القاضي المديون حينئذ ‏(‏ مدة يغلب على ظنه أنه لو كان له ‏)‏ أي للمديون ‏(‏ مال لأظهره هو الصحيح ‏)‏ وذلك يختلف باختلاف الشخص والزمان والمكان والمال فلا معنى لتقديره وما جاء من التقدير بشهرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو شهر اتفاقي وليس بتقدير حتما ‏(‏ وقيل ‏)‏ يحبسه ‏(‏ شهرين أو ثلاثة ‏)‏ والصحيح الأول لما بيناه ولو قال المديون ‏:‏ حلفه أنه ما يعلم أني معسر يجيبه القاضي إلى ذلك ‏,‏ ويحلفه أنه ما يعلم إعساره فإن حلف حبسه بطلبه ‏,‏ وإن نكل لا يحبسه والمراد من الغناء قدرة الآن على قضاء الدين فلو كان للمحبوس مال في بلد آخر يطلقه بكفيل ‏,‏ وإن علم القاضي عسرة لكن له مال على آخر يتقاضى غريمه فإن حبس غريمه الموسر لا يحبسه كما في البزازية ‏.‏ وفي البحر ‏:‏ وظاهر كلامهم أن القاضي لا يحبس المديون إذا علم أن له مالا غائبا أو محبوسا موسرا ‏,‏ وأنه يطلقه إذا علم بأحدهما ‏,‏ ثم يسأل القاضي عن المحبوس بعد حبسه بقدر ما يراه من جيرانه فإن قامت على إعساره أطلقه ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة وشرطه ‏.‏ والصغرى ‏:‏ في العدل الواحد يكفي والاثنان أحوط ‏,‏ وكيفيته أن يقول المخبر ‏:‏ إن حال المعسرين في نفقته وكسوته وقد اختبرنا في السر والعلانية ولا يشترط لسماعها حضور رب الدين فإن كان غائبا سمعها وأطلقه بكفيل كما في البزازية ‏(‏ فإن لم يظهر له ‏)‏ أي للمحبوس ‏(‏ مال ‏)‏ بعد سؤاله عنه ‏(‏ خلى سبيله ‏)‏ أي خلى القاضي المحبوس ‏,‏ لأن عسرته ثبتت عنده فاستحق النظر إلى الميسرة للآية ‏,‏ فحبسه بعده يكون ظلما ‏(‏ إلا أن يبرهن خصمه على يساره ‏)‏ بشهادة عدلين أنه موسر قادر على قضاء الدين ولا يشترط تعيين المال ‏(‏ فيؤبد حبسه ‏)‏ لظهور أنه يصر على ظلمه من منع حق أخيه فيجازى بتأبيد حبسه ‏(‏ ولا تسمع البينة على إعساره قبل حبسه ‏,‏ عليه عامة المشايخ ‏)‏ هو الصحيح لأن البينة للإثبات لا للنفي إلا إذا قام المدعى عليه بعد زمان على عسرة فتقبل ‏,‏ لأن العسار بعد اليسار أمر عارض أيضا فيخليه القاضي بلا كفيل إلا في مال اليتيم ومال الوقف ومال الغائب فلا يطلقه إلا بكفيل كما في المنح ‏.‏ وفي البزازية أطلق القاضي المحبوس لإفلاسه ‏,‏ ثم ادعى آخر مالا وادعى أنه موسر لا يحبسه حتى يعلم غناه ‏.‏

فصل في كتاب القاضي

وإنما أخره عن الحبس لأنه لما كان لا يتحقق في الوجود إلا لقاضيين كان مركبا بالنسبة إلى ما قبله والبسيط قبل المركب ‏,‏ وترك قوله إلى القاضي كما في أكثر الكتب لأن هذا الفصل غير مختص به بل بين فيه السجل والمحضر والصك والوثيقة ‏(‏ إذا شهدوا عند القاضي على خصم حاضر حكم ‏)‏ أي القاضي ‏(‏ بها ‏)‏ أي بشهادتهم لوجود الحجة وشرط الحكم ‏,‏ وهو حضور الخصم ‏,‏ والمراد بالخصم الحاضر من كان وكيلا من جهة المدعى عليه أو مسخرا ‏,‏ وهو من نصبه القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع الدعوى عليه ‏,‏ وإلا لو أراد بالخصم المدعى عليه لم تبق حاجة إلى الكتاب إلى القاضي الآخر لأن الخصم حاضر عند القاضي وقد حكم عليه كما في البحر وغيره ‏,‏ لكن لا يخفى ما فيه من التكلف ‏,‏ والأحسن أن يقال ‏:‏ إن هذا توطئة لقوله ‏:‏ وإن شهدوا على غائب لا يحكم وليس بمقصود بالذات كما في الدرر ‏(‏ وكتب ‏)‏ القاضي ‏(‏ بالحكم ‏)‏ لئلا ينسى الواقعة على طول الزمان وليكون الكتاب مذكرا لها ‏,‏ وإلا فلا يحتاج إلى كتابة الحكم لأنه قد تم بحضور الخصم بنفسه أو من يقوم مقامه ‏(‏ وهو ‏)‏ أي كتاب الحكم ‏(‏ السجل ‏)‏ الحكمي لأنه سجله أي أحكمه بالحكم ‏,‏ وفي المصباح ‏:‏ السجل كتاب القاضي ‏,‏ وسجل القاضي بالتشديد قضى وحكم وأثبت حكمه في السجل ‏.‏ وفي البحر فالسجل الحجة التي فيها حكم القاضي ‏,‏ ولكن هذا ‏,‏ وفي عرفنا السجل كتاب كبير يضبط فيه وقائع الناس وما يحكم به القاضي وما يكتب عليه ‏.‏

فصل قال في النهاية قد ذكرنا أن كتاب القاضي إذا كان سجلا اتصل به قضاؤه يجب على القاضي المكتوب إليه إمضاؤه إذا كان في محل مجتهد فيه ‏,‏ بخلاف الكتاب الحكمي فإن الرأي له في التنفيذ والرد فلذلك احتاج إلى بيان تعداد محال الاجتهاد بذكر أصل يجمعها ‏,‏ وهذا الفصل لبيان ذلك وما يلحق به ‏.‏

قضاء المرأة في غير حد وقود

‏(‏ ويجوز قضاء المرأة ‏)‏ في جميع الحقوق لكونها من أهل الشهادة لكن أثم المولي لها للحديث ‏"‏لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة‏"‏ ‏(‏ في غير حد وقود ‏)‏ إذ لا يجري فيها شهادتها ‏,‏ وكذا قضاؤها في ظاهر الرواية فلو قضت في حد وقود فرفع إلى قاض آخر فأمضاه ليس لغيره أن يبطله كما في الخلاصة ‏,‏ وأما قضاء الخنثى فيصح بالأولى وينبغي أن لا يصح في الحدود والقود لشبهة الأنوثة كما في البحر ‏.‏

فصل في التحكيم

هذا من فروع القضاء ‏,‏ وتأخيره أن المحكم أدنى مرتبة من القاضي لاقتصار حكمه على من رضي بحكمه وعموم ولاية القاضي وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع ‏.‏ ‏(‏ ولو حكم ‏)‏ من باب التفعيل ‏(‏ الخصمان من يصلح قاضيا ‏)‏ بكونه أهلا للشهادة فلو حكما عبدا أو صبيا أو ذميا أو محدودا في قذف لم يصح ‏,‏ وتشترط الأهلية وقت التحكيم ووقت الحكم فلو حكما عبدا فعتق أو صبيا فبلغ أو ذميا فأسلم ‏,‏ ثم حكم لا ينفذ حكمه ولو حكم الذميان ذميا جاز لأنه من أهل الشهادة في حقهم ويشترط أن يكون المحكم معلوما فلو حكما أول من يدخل المسجد لم يجز إجماعا للجهالة ‏(‏ ليحكم بينهما صح ‏)‏ الحكم لأنهما التزما ‏,‏ ورضيا به لولايتهما على أنفسهما ‏(‏ ونفذ حكمه ‏)‏ أي حكم المحكوم ‏(‏ عليهما ببينة أو إقرار أو نكول ‏)‏ ليكون موافقا لحكم الشرع بخلاف حكمه بعلمه فإنه لا ينفذ ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ نفذ ‏(‏ إخباره ‏)‏ أي إخبار المحكم ‏(‏ بإقرار أحد الخصمين ‏)‏ بأن قال لأحدهما ‏:‏ قد أقررت عندي لهذا بهذا بكذا وقضيت عليك ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ نفذ إخباره ‏(‏ بعدالة الشاهد ‏)‏ بأن قال لأحدهما ‏:‏ قامت عليك بينة فعدلت عندي فحكمت لذلك ‏(‏ حال ولايته ‏)‏ أي بقاء تحكيمهما لأن الإخبار بالإقرار أو العدالة مقيد لوقوعه قبل قوله حكمت مثلا فيصير الإخبار قبل الانعزال بالحكم ‏,‏ وتقوم مقام شهادة رجلين قياسا على سائر القضاة بخلاف إخباره بحكمه لانقضاء ولايته كالقاضي المعزول ‏(‏ ولكل منهما ‏)‏ أي من الخصمين ‏(‏ أن يرجع قبل حكمه ‏)‏ لأنه مقلد من جهتهما فكان لكل منهما عزله وهو من الأمور الجائزة فينفرد أحدهما بنقضه كما ينفرد أحد العاقدين في مضاربة وشركة ووكالة إذا لم تكن الوكالة بالتماس الطالب ‏(‏ لا بعده ‏)‏ أي لا يصح الرجوع بعد حكمه لأنه صدر عن ولايته عليهما كالقاضي إذا قضى ‏,‏ ثم عزل لا يبطل قضاؤه ‏.‏

مسائل شتى من كتاب القضاء

مسائل شتى جمع شتيت أي متفرقة من كتاب القضاء وهو هنا مرفوع على الوصفية للمسائل ‏,‏ والمسائل خبر لمبتدأ محذوف ‏,‏ فإذا قلت ‏:‏ جاءني القوم شتى نصبت على الحال أي متفرقين ‏(‏ ليس لذي سفل عليه ‏)‏ أي على السفل ‏(‏ علو لغيره أن يتد ‏)‏ أي لا يدق وتدا ‏(‏ في سفله أو ينقب كوة ‏)‏ بضم الكاف وتشديد الواو ‏,‏ وهي الطاقة ‏,‏ ‏.‏ وفي الديوان بالفتح الروزنة ‏.‏ وفي البحر بفتح الكاف نقب البيت ويجمع على كوى بالكسر وقد تضم الكاف في المفرد والجمع ‏,‏ ويستعار لمفاتيح الماء إلى المزارع والجداول ‏.‏ وفي الصحاح أن الجمع يمد ويقصر ‏(‏ بلا رضى ذي العلو ولا لذي العلو أن يبني عليه ‏)‏ أو يضع جذعا لم يكن قبل أو يحدث كنيفا بلا رضى ذي سفل عند الإمام لكونه من أسباب الضرر فيمنعه القاضي ‏(‏ وعندهما لكل منهما ‏)‏ أي من صاحب السفل والعلو ‏(‏ فعل ما لا ضرر فيه بلا رضى الآخر ‏)‏ إذ هو تصرف في ملكه ‏(‏ وقيل ‏:‏ قولهما تفسير لقوله ‏)‏ أي لقول الإمام لأنه إنما يمنع ما فيه ضرر ظاهر إذ ما لا ضرر فيه خلاف بينهم ‏,‏ وقيل ‏:‏ لا بل بينهما خلاف وهو في محل وقوع الشك ‏,‏ فما لا شك في عدم ضرره كوضع مسمار صغير يجوز اتفاقا وما فيه ضرر ظاهر كفتح الباب ينبغي أن يمنع اتفاقا ‏,‏ وما يشك في التضرر به كدق الوتد في الجدار أو السقف فعندهما لا يمنع لأن الأصل هو الإباحة لأنه تصرف في ملكه وهو يقتضي الإطلاق ‏,‏ والأصل عنده الحظر لأنه تعلق به حق محترم للغير ‏,‏ والإطلاق يعارضه الرضى فإذا أشكل لا يزول المنع على أنه لا يعرى عن نوع ضرر بالعلو من توهين البناء أو نقضه فيمنع عنه ‏,‏ ولذا لا يملك صاحب السفل أن يهدم كالجدار والسقف فكذا نقضه ‏,‏ وقول الإمام قياس وهل يمنع صاحب العلو من التصرف في العلو ‏؟‏ اختلف المشايخ على قول الإمام قال صدر الشهيد ‏:‏ المختار أنه إذا أشكل أنه يضر أم لا لا يملك ‏,‏ وإذا علم أنه لا يضر يملك ‏.‏ وفي البحر لو انهدم السفل بغير صنع صاحبه لا يجبر على البناء لعدم التعدي ‏,‏ ولصاحب العلو أن يبني إن شاء ‏,‏ ويبني عليه علوه ‏,‏ ثم يرجع ويمنعه من الانتفاع والسكنى حتى يدفع إليه لكونه مضطرا ‏.‏

فصل في القضاء بالمواريث

ذكر هنا مسألتين تتعلقان باستصحاب الحال وهو الحكم بثبوت أمر في وقت بناء على ثبوته في وقت آخر ‏(‏ مات نصراني فقالت زوجته أسلمت بعد موته ‏)‏ ولي استحقاق الميراث ‏(‏ وقال وارثه بل ‏)‏ أسلمت ‏(‏ قبله ‏)‏ أي قبل موته ولا ميراث لك ‏(‏ فالقول له ‏)‏ أي للوارث لا قولها بغير بينة وعند زفر القول قولها لأن الإسلام حادث فيضاف إلى أقرب الأوقات ‏.‏ ولنا أن سبب الحرمان ثابت في الحال فيثبت فيما مضى تحكيما للحال كما في جريان ماء الطاحونة ‏,‏ والظاهر بلا حجة يصلح للدفع لا للاستحقاق ‏.‏ ‏(‏ وكذا لو مات مسلم فقالت زوجته ‏)‏ النصرانية ‏(‏ أسلمت قبل موته ‏)‏ ولي استحقاق الميراث ‏(‏ وقال الوارث بل ‏)‏ أسلمت ‏(‏ بعده ‏)‏ وليس لك الميراث ‏,‏ يعني يكون القول للوارث أيضا ‏,‏ ولا يحكم الحال لأن الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق وهي محتاجة إليه ‏,‏ أما الورثة فهم الدافعون ويشهد لهم ظاهر الحدوث أيضا كما في الهداية ‏,‏ والتعبير بالاستصحاب أحسن من التعبير بالظاهر فإن ما ثبت به الاستحقاق كثيرا ما يكون ظاهرا كإخبار الآحاد كثيرا ما يوجب استحقاقا كما في الفتح ‏.‏